Non classé

اليوم ألبس الأسود عزاء لقلبي

لعل لكل من يحمل في قلبه ذرة حب لهذا الوطن، يحز في نفسه أن يرى كيف أصبح الشعب قابعا في مؤخرة الهرم النفسي،يحز في نفسه أن يرى كيف أصبح الشعب لا يجد متنفسا من النكسات اليومية التي تهز معنوياته،يحز في نفسه أن يرى كيف أصبح من الصعب الاستمرار في التخبط بين الجدران الصماء لوطن يتنكر لأبنائه.
لا يحتاج المغاربة اليوم كثيرا من العناء لتتجلى لهم هذه الحقيقة التي اعتادت أفواهنا طعمها المر، وما بتنا نتقزز تذوقها لما نسمع عن شبابنا الضائع يلقي بنفسه إلى سمك التونة لما يقرر مغادرة الوطن على قوارب الموت المحقق، و لما نسمع عن بنات عمومتنا يبعن أجسادهن قطعة قطعة، رافضات، في غياب الوسائل، روتينا غذائيا غير مكلفهن سوى قطع لحم سمك التونة الرخيص. هكذا أصبحت علاقة المغاربة بسمك التونة علاقة حياة أو موت، علاقة بقاء أو عدم، علاقة كرامة وشرف، وهكذا أصبحت علاقة المغاربة بوطنهم علاقة خضوع و إخضاع، علاقة عمودية طولية مستبدة يتحدد فيها العبيد من الأسياد.
ففي الوقت الذي  » تتبورد » فيه الأطراف السياسية على بعضها كما صرح أحدها، ماتزال القرى النائية بعيدة كل البعد عن شبكات الماء والكهرباء والنقل، ومايزال أطفالها يقطعون كيلومترات طويلة تحت رحمة القدر، شاقين طريقهم إلى بيوت العلم المتصدعة، في البرد و الحر، وسط غزارة الأمطار و الثلوج، شاقين طريقهم وسط الغابات ووسط الوحوش الإنسانية والوحوش البرية. وماتزال المعلمات ينتهك أعراضهن في طريقهن إلى أداء مهمتهن النبيلة، وماتزال خادمات البيوت يبحثن عن لقمة العيش بعرق جبينهن، ويفضلن العمل طوال اليوم بمقابل هزيل على بيع أجسادهن كما عمدت إلى ذالك صديقاتهن من ضحايا الوطن. قبل أن تتفوهو بتبجح بكلامكم غير المسؤول وأن تتخذوا إجراآتكم الزجرية ضد المواطنين الضعفاء العزل، اعلموا أن كلام بعضهم لايتجاوز الحديث حول عما إذا حصلوا ما يكفي من القطع النقدية لتحضير وجبة العشاء، أم أنهم سيؤجلونها كما جرت العادة إلى غذاء اليوم الموالي، اعلموا أن حديثهم لا يتجاوز عما إذا وفروا مايكفي لدفع ثمن الإيجار، وعن احتمال رميهم إلى الشارع بعد عجزهم عن الآداء لمدة شهور. ولما تركبون سياراتكم الفاخرة وتتوسدون أرائككم المريحة، فلتعلموا أنه وفي أماكن عديدة من تراب الوطن، يركب الناس الدواب إذا وجدت لساعات وساعات بغية الوصول إلى أقرب بئر في المنطقة، ولتعلموا جيدا أن طلبتنا الذين لا وسيط لهم ولا معين، يتوسدون الرصيف لما لا يجدون مناصب الشغل بعد سنوات من المثابرة و الاجتهاد.
ولما تختارون ربطة عنقكم بعناية لحضور إحدى سهراتكم الليلية، فلتعلموا أن من طلاب كلية الطب من اختار حبل المشنقة بعد أن أصيبو عمدا بمرض السيدا من طرف العربيد أو المقرقب الذي تهجم عليهم بشفرة الحلاقة الملطخة بدمائه خلال الحراسة الليلية. ولما تحضرون كوكتيل الويسكي أو الفودكا لتحتسوه مع أصدقائكم السذج، ولما تتعالى أصوات قهقهاتكم خلال السهرة، فلتعلموا أنه من المواطنين من ليس له دراهم معدودات لاقتناء دواء يحتسيه، فتتعالى صرخات ألمه الليلة طيلتها في غياب مسكن لها. فلتعلموا أنه وبسبب سياساتكم الفاشلة أصبح يتواجد في المجتمع شريحتين، شريحة غنية تزداد غنى، وشريحة فقيرة تزداد فقرا، وفي غياب الجسور الطبقية، أصبح تسلق السلالم الاجتماعية محفوفا بالتجاوزات.
ليس من الغريب إذن تفشي سلوكات التصنع وانتشار ثقافة المظاهر في صفوف أبناء الوطن، في محاولات يائسة لإثبات الذات في هكذا مجتمعات، ليس من الغريب تعلق الشباب بالثقافة الغربية التي تغزو لغتهم وأفكارهم وتصرفاتهم، في الوقت الذي لا يتم الاهتمام فيه بالثقافة المحلية، بل وأن الاهتمام بالثقافة (المُشَكِّل الأساس للهوية الفردية والجماعية) أصبح يصنف من الكماليات حينما لا تقوى الجهات المسؤولة على احتواء مشاكل في نظرهم أكثر استعجالية. ليس من الغريب تغيير الشباب لصور بروفايلاتهم إلى صور مزركشة بألوان الشدود في انسلاخ تام عن قيم الدين الإسلامي الحنيف وقيم الرجولة والأنوثة في تعبير صارخ على مواقف غير مبنية على أسس متينة، في تقليد سطحي لما سبقتهم إليه المشاهير في مختلف بقاع العالم. إن الشباب يبحثون عن قطيعة مع الواقع، عن قطيعة مع الحاضر، تمتد إلى قطيعة مع الماضي، فتتحول من تلقاء نفسها إلى انسلاخ من الذات و الهوية الفردية، هذا لأنهم لم يأخذوا فرصتهم في تحقيق ذواتهم في مجتمعاتهم، فيميلون إلى ثقافة مجتمعات أخرى يتسنى لهم فيها ذلك مهما كانت حمولتها الفكرية أو العقائدية. ماذا ننتظر يا ترى من شباب لم نهتم بتكوين شخصياتهم غير أن ينجرفوا وراء كل ريح تهب. غياب القدوة ينخر في بنية مجتمع تائه لا يجد نموذجا حداثيا إلا في الأفلام البورنوغرافية التي أصبح يتباهى مخرجوها بكل صفاقة بائسة بتحطيم الأرقام القياسية لأطوال قبلة في تاريخ السينما المغربية الممولة طبعا من أموال دافعي الضرائب القابعين في الفقر و التهميش و الأمية، و في وقت تغيب فيه أبسط التجهيزات والظروف الحيوية لعيش كريم لشريحة كبيرة من المجتمع. وكما يقول المثل المغربي الحكيم: »آش خاصك ألعريان… أطول بوسة آمولاي »
أنا وبعدي الطوفان، هذا مبدأ محتكري الصفقات الإعلامية ومحتكري المناصب السياسية وشرذمة المتأثقفين، المتأحدثين، والذين يراقبون أفكارهم بشكل يتناسب مع المتلقي وأصحاب الشكارة طبعا. رحم الله زمانا كان يسخر في الإعلام لترسيخ قيم الوطنية والمبادئ السامية والقيم النبيلة، رحم الله إعلاما تعلمت على يديه أجيال كاملة قواعد اللغة العربية المكون الأساس لهويتنا العربية الأمازيغية الإسلامية. رحم الله زمن الحياء وتقدير كبار الأسرة وتمجيد الأساتذة، رحم الله زمن الاحترام والاعتدال والليونة في المعاملة. الدولة لاتحتوي الشباب بأنشطة ثقافية وفنية ورياضية تكوينية تمكنهم من اكتشاف ذاتهم وتحقيقها، الدولة لاتهتم بخلق بيئة صحية لتنشئة الشباب، لأن الإنسان وقبل كل شيء..ابن بيئته، والإعلام يرسخ ثقافة التفاهة، والمؤسسة التعليمية لا تقوم بدورها التربوي المرتقب، ولاتهتم بالبعد القيمي ولا النفسي للناشئة، والنظام التعليمي بشكل عام يبعث بمعظم الشباب إلى الهاوية.. والنتيجة كما نراه في مدارسنا، في الفضاءات العمومية، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، جيل قبيح السحنة، مشوه الخلقة، هجين اللغة، مجرد من الأفكار النيرة، يجهل وجهته، ولذا وبمناسبة « البرايد » لن ألبس ألوان قوس قزح الباهية، بل سألبس الأسود على وطن تنكر لأبنائه فتنكروا له

11715982_700651600039416_1183590662_n

لحلو عماد

2 comments on “اليوم ألبس الأسود عزاء لقلبي

  1. LAHLOU Imad

    Super blog, Merci Abla ☆

    J'aime

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

w

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :